ابن تيمية

101

مجموعة الرسائل والمسائل

المحاج عن فرعون أن يكون بهذه المثابة فإن المرء مع من أحب ( والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ) وأيضاً فقد قال تعالى ( فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس ) يقول : هلا آمن قوم فنفعهم إيمانهم إلا قوم يونس . وقال تعالى ( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثاراً في الأرض - إلى قوله - سنة الله التي قد خلت في عباده ) فأخبر عن الأمم المكذبين للرسل أنهم آمنوا عند رؤية البأس وأنه لم يك ينفعهم إيمانهم حينئذ ، وأن هذه سنة الله الخالية في عباده ، وهذا مطابق لما ذكر الله في قوله لفرعون ( الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ) فإن هذا الخطاب هو استفهام إنكار أي الآن تؤمن وقد عصيت قبل ؟ فأنكر أن يكون هذا الإيمان نافعاً أو مقبولاً ، فمن قال أنه نافع مقبول فقد خالف نص القرآن وخالف سنة الله التي قد خلقت في عباده . يبين ذلك أنه لو كان إيمانه حينئذ مقبولاً لدفع عنه العذاب كما دفع عن قوم يونس ، فإنهم لما قبل إيمانهم متعوا إلى حين ، فإن الإغراق هو عذاب على كفره فإذا لم يك كافراً لم يستحق عذاباً . وقوله بعد هذا ( فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية ) فوجب أن يعتبر به من خلفه ، ولو كان إنما مات مؤمناً لم يكن المؤمن مما يعتبر بإهلاكه وإغراقه . وأيضاً فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبره ابن مسعود بقتل أبي جهل قال " هذا فرعون هذه الأمة " فضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل في رأس الكفار المكذبين له برأس الكفار المكذبين لموسى . فهذا يبين أنه هو الغاية في الكفر فكيف يكون قد مات مؤمناً ؟ ومعلوم أن من مات مؤمناً لا يجوز أن يوسم بالكفر ولا يوصف لأن الإسلام يهدم ما كان قبله ، وفي مسند أحمد وإسحاق وصحيح ابن أبي حاتم عن عوف بن مالك عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم في تارك الصلاة " يأتي مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف " هذا آخر ما وجد من هذه الرسالة